الشيخ محمد رشيد رضا
114
الوحي المحمدي
إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام : 19 ] ، أي : وأنذر به كل من بلغه من غيركم من الناس . وقال في آخر سورة النمل : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 ) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 92 ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ النمل : 91 - 93 ] . إن رؤساء قريش عرفوا من جذب الناس إلى الإسلام بوقعه في أنفسهم هم ما لا يعرفه غيرهم ، وعرفوا أنه ليس لجمهور العرب مثل ما لهم من أسباب الجحود والمكابرة ، فقال لهم عمه أبو لهب من أول الأمر : خذوا على يديه ، قبل أن تجتمع العرب ، ففعلوا ، وكان من ثباته صلّى اللّه عليه وسلم على بث الدعوة واحتمال الأذى ما أفضى بهم إلى الاضطهاد وأشد الإيذاء له ولمن يؤمن به ، حتى ألجئوهم إلى الهجرة بعد الهجرة ، ثم إجماع الرأي على قتله ، لولا أن خرج من وطنه مهاجرا ، ثم صاروا يقاتلونه في دار هجرته وما حولها ، وينصره اللّه عليهم ، إلى أن اضطروا إلى عقد الصلح معه في الحديبية سنة ست من الهجرة ، وكان أهم شروط الصلح السماح للمؤمنين بمخالطة المشركين ، وهو الذي كان سبب سماعهم للقرآن ، ودخولهم بتأثيره في دين اللّه أفواجا . فكان انتشار الإسلام في أربع سنين بالسلم والأمان أضعاف انتشاره في ست عشرة سنة من أول الإسلام .